ابو البركات
43
الكتاب المعتبر في الحكمة
وضع الإحاطة سال منه إلى وضع الإحاطة وعلموا من ذلك ان الهواء للماء كالماء للأرض وكذلك إلى السماء وما فوقها فكأن المكان حينئذ لا يذهب إلى غير نهاية في الطبع بل الأرض المكان الأول لمهبط الأثقال من كل جهة من جهات احاطتها الكرية وعلموا ان السماء لا تستقل عليها بأطرافها كاستقلال الخيمة على الأرض لكريتها وكرية الأرض وتشابه البعد بينهم « 1 » في سائر الأقاليم التي رأوها فبطل حينئذ عندهم طلب المكان إلى غير النهاية على أنه مقل وحامل الثقل فلنلخص الآن مفهوم المكان بحسب هذه المقاصد . فنقول إذا كان المكان في العرف اللغوي هو الذي يستقر عليه المتمكن ويتحرك منه واليه فالطائر في الجو يقال إنه في مكان أيضا وموضع يتحرك فيه وعنه واليه وبتوهم سكونه فيه أو حركته الوضعية من غير انتقال مثل طير يبقى في مكان واحد يرفرف فيه بجناحيه زمانا ولا ينتقل عنه وهو في هواء متشابه الإحاطة به من تحت وفوق ليس فيه موضع يستحق ان يكون له حاملا دون غيره وانضاف إلى هذا ما تصوره العلماء من إحاطة الماء بالأرض والهواء بالماء فجعلوا المكان هو الموضع الذي يملأه المتمكن ويفارقه بحركته عنه ويلزمه بسكونه فيه . ثم لما أمعن العلماء في النظر علموا ان المكان من الجسم الذي يستقر عليه المتمكن ويحيط به منه ليس هو عمق ذلك الجسم الذي قيل إنه مكان حتى لو كان في موضع دفين وتحته عن أقرب قرب دفين آخر لتميز مكانا هما ولم يكن المكان عندهم واحدا لكليهما بل كل واحد في مكان فلا يحل في مكان واحد متمكنان في زمان واحد ولا يكون المتمكن الواحد في زمان واحد في مكانين فصار المكان ما بلى المتمكن من الجسم الذي قيل إنه مكانه ( مما يلي سطحه الملاقى لسطح المتمكن دون عمقه فلما أنعم النظر علم أن بعض العمق في ذلك مثل كله فقيل إن المكان هو السطح الذي يلي المتمكن - « 2 » ) من الجسم الذي قيل إنه مكانه فإذا حددناه بحسب هذا المفهوم قلنا إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي
--> ( 1 ) سع - بينهما ( 2 ) سقط من سع .